محمد جمال الدين القاسمي

484

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

المصارف ، والثاني لبيان وجوب الأداء . وقد أبعد من حمل الزكاة - هنا - على زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنيئة الرذيلة ، كقوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وقوله هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى ، ووجه العبد : أن الزكاة المقرونة بالصلاة في التنزيل لا يراد بها إلا زكاة المال ، وأما مع الانفراد فعلى حسب المقام وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا عطف على من آمن ، فإنه في قوة أن يقال : ومن أوفوا بعهدهم . وإيثار صيغة الفاعل للدلالة على وجوب استمرار الوفاء . قال الرازيّ : اعلم أن هذا العهد إمّا أن يكون بين العبد وبين اللّه ، أو بينه وبين رسول اللّه أو بينه وبين سائر الناس . فالأول : ما يلزمه بالنذور والأيمان . والثاني : فهو ما عاهد الرسول عليه عند البيعة : من القيام بالنصرة ، والمظاهرة وموالاة من والاه ، ومعاداة من عاداه . والثالث : قد يكون من الواجبات : مثل ما يلزمه في عقود المعاوضات من التسليم والتسلم . وكذا الشرائط التي يلتزمها في السلم والرهن . وقد يكون من المندوبات : مثل الوفاء بالمواعيد في بذل المال والإخلاص في المناصرة . فالآية تتناول كلّ هذه الأقسام . قال ابن كثير : وعكس هذه الصفة النفاق . كما صحّ في الحديث « 1 » : آية المنافق ثلاث : إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان . وفي رواية : إذا حدّث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر . وَالصَّابِرِينَ نصب على الاختصاص . غيّر سبكه عما قبله تنبيها على فضيلة الصبر ومزيّته . وهو في الحقيقة معطوف على ما قبله . قال أبو عليّ : إذا ذكرت صفات للمدح أو للذم فخولف في بعضها الإعراب ، فقد خولف للافتنان . ويسمى ذلك قطعا . لأن تغيير المألوف يدلّ على زيادة ترغيب في استماع المذكور ، ومزيد اهتمام بشأنه ! وقد قرئ ( والصابرون ) كما قرئ ( والموفين ) . قال الراغب : لما كان الصبر : من وجه مبدأ للفضائل ، ومن وجه جامعا للفضائل ، إذ لا فضيلة إلّا وللصبر فيها أثر بليغ ، غيّر إعرابه تنبيها على هذا المقصد . . !

--> ( 1 ) : أخرجه البخاريّ في : الإيمان ، 24 - باب علامة المنافق ونصه : عن أبي هريرة : عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال « آية المنافق ثلاث : إذا حدّث كذب وإذ وعد أخلف وإذا ائتمن خان » . و عن عبد اللّه بن عمرو أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا . ومن كانت فيه خصلة منهم كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا ائتمن خان ، وإذا حدّث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر » .